<img src="https://d5nxst8fruw4z.cloudfront.net/atrk.gif?account=GmAcm1aM91i2L7" style="display:none" height="1" width="1" alt="" /> البروفيسور" خالد فتحي" يكتب، تونس ...ثورة واحدة لا تكفي
الخميس 18 يناير 2018 على الساعة 10:21

البروفيسور" خالد فتحي" يكتب، تونس ...ثورة واحدة لا تكفي

البروفيسور" خالد فتحي" يكتب، تونس ...ثورة واحدة لا تكفي

 

العبور الالكترونية - م,ع,الإدريسي

 

تدل الاحتجاجات الجارية بتونس بلد البوعزيزي، ومهد ثورات الربيع العربي، أن هذا البلد لازال لم يخرج بعد من عنق الزجاجة، رغم مرور سبع سنوات على الإطاحة بالديكتاتور، و أنه من المحتم ل جدا أن يكون بصدد التعرض لانتكاسة قوية، تعدم تجربته اليافعة ، التي دأبت وسائل الإعلام ودوائر القرار الدولية على توصيفها بالاستثناء بتأثير مما كانت تعتبره لحدود الأمس القريب نجاحا في فرض مستوى مقبولا من الاستقرار السياسي والمجتمعي، وإفلاتا من جزر الثورات المضادة ، جنب بلد الزيتونة للآن التردي في بئر الفشل الذريع كقرينتيها و تابعتيها في الثورة مصر وليبيا.

فمنذ أن تم إقرار مالية 2018 ,والأرض تهتز بقوة تحت أقدام الحكومة التونسية- التي تصنعها التوافقات أكثر مما تفعل الانتخابات-، بعد أن خرج الآلاف من الشباب الغاضب في المدن احتجاجا على تفشي البطالة، وغلاء الأسعار التي همت البنزين والأدوية وسلعا أساسية، و على الإجهاز المتواصل دون هوادة على الطبقة المتوسطة، والاقتطاع من الرواتب الهزيلة للموظفين ، والهزيمة أمام الفساد، وكذا على اختلال ميزان التنمية بين الجهات في السياسة الاقتصادية للدولة التي يقول المتذمرون أنها تحابي المدن الساحلية، وتجافي المدن الداخلية الغارقة في مستنقع الفقر والتهميش وانسداد الأفق... سياسة اقتصادية مترنحة لا زالت تتلمس الطريق..وماانفكت كما ينتقد معارضوها مستمرة في تواكلها و(تبرجها) للغرب لجلب السياح، و تابعة خانعة لتعاليم المؤسسات المالية الدولية لأجل شهادة حسن سلوك للحاكمين هي دوما على حساب تعليم وصحة وقفة التونسيين .و بالخصوص على حساب سيادة القرار الاقتصادي التونسي .

وهكذا يتكشف لنا أنه بينما قد أبدع الشعب التونسي في تورثه ، وقام بالمطلوب منه بالتمام والكمال ،أخلفت نخبته موعدها مع التاريخ، ومع شبعها. بعد أن لم تستطع نحت نموذج تنموي يعقبها(الثورة) يكون على قدر ملحمة التونسيين العظيمة.

فمن منا لا يذكره المشهد التونسي الحالي رغم الاختلاف بدرجة الحرارة ،بتلك الجماهير التونسية الهائجة المتعطشة للكرامة والحرية التي مهدت للحراك العربي برمته ،أو ينسى ذاك المحامي التونسي الذي صرخ في جوف الليل بنعلي هرب بنعلي هرب، وصاحب ذاك الرأس الأشيب، وعبارته التي صارت مثلا، قد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية. ترى هل تبدد كل ذاك العرق والجهد وعادا سرابا؟وهل تنهار الآن كل تلك الآمال السامقة؟، وتذهب كل تلك التضحيات هباء؟.هل صارت كل تلك الأحلام أضغاثا،أم هو تحطم المثال مرة أخرى ؟وهزيمة الثورة في عقر دارها؟.أم ترى أن هذه الاحتجاجات على العكس من كل هذه (الهواجس) ليست سوى المخاض الصعب الذي لا مناص منه لولادة تونس جديدة لازالت في طور التشكل و التخلق؟ . أم ترى هي العراقيل الكأداء التي لابد أن تصادفها في طريقها كل ثورة وليدة تدور عليها الدوائر الآن ويتربص بها (الأعداء) ؟؟. أم هما فقط الهرج والمرج اللذان يأتيان تونس من محيطها العربي الفائر ،وتصيبها عدواهما بكل هذا الزكام و كل هذا الألم ثم تشفى وتتعافى ؟؟.

كثيرة هي الأسئلة المقلقة ومختلفة أيضا هي الأجوبة غير الشافية في الحالة التونسية. فهي حالة غير حدية لا ينفصل فيها النجاح عن الفشل ، ولا يغرب فيها الأمل والتفاؤل عن شفق اليأس والتشاؤم .ولكن الجميع مع ذلك ينبري ليؤكد مسلمة واحدة. وهي أن الشعب التونسي أصبح في واد، ونخبته بكل أطيافها في واد آخر . شعب أقضه وأضناه الانتظار ، وسياسيون رهنوه لمؤسسات الاقتراض الدولية .و لذلك فهما يتجهان الى أن يصبحا على طرفي نقيض إلا أن يتدارك الله تونس .

ورغم كل ذلك لا يشي ملمح تونس الحالي ، أننا بصدد ثورة مضادة تعيد عقارب الساعة للوراء، فالناس يبدون كأنهم يطلبون ثورة أخرى فوق الثورة (العقيم )التي عجزت عن قطف الثمار، وصياغة الغد الباسم المشرق. أي أن الأمر في تونس يتعلق في العمق بالحاجة الملحة لمتوالية ثورات.تكون الثانية منها الآن ضد فقر المخيلة و ضد القعود عن الإبداع الخلاق.

لقد غنم الإسلاميون من الثورة التونسية مآرب كثيرة..قسطا من الحكم، و موقعا تحت الشمس، وودا لايزال مؤجلا من الغرب ، وغنم أذناب النظام السابق شبه تبييض لصفحة خطاياهم القديمة بحق تونس، ونجح الليبراليون والببروقراطيون في أن يستثمروا هاجس الإسلاموفوبيا لأجل أن يتحولوا لدركي البلد الدائم في مواجهة فزاعة الخطر الإسلامي. وهو الدور(الفزاعة) الذي استمرأه الإسلاميون التونسيون مادام يدر عليهم من المنافع أكثر مما قد يدره عليهم الصدام أو الحكم المباشر أو الجهاد ضد الفساد والفقر ، بل هم لم يحركوا ساكنا حتى لما استقصدت الهوية جاعلين منتهى هوية البلد فيهم وفي أن يتشاطروا سدة الحكم.

وحده الشعب التونسي خرج مخذولا مكسورا خاوي الوفاض منقطع الرجاء يجر أذيال الخيبة بعد انفضاض الثورة ،واستبداله حكاما بآخرين لم يكونوا حتى مثل السابقين ، فبنعلي الطاغية كان يحقق نموا اقتصاديا ب 5 في المائة، و كل هؤلاء الذين تعاقبوا على الحكومة خلال السنوات السبع العجاف لقيام الثورة نزلوا بها الآن إلى أقل من 2 في المائة وربما أقل , ياله من حصاد هزيل وغير مشرف !!!.

فمن منصف المرزوقي الذي لا يطاع، إلى الباجي السيسي ويوسف الشاهد اللذين يستنهكهما الشقاق مع الإسلام السياسي و التفكير في خطة الفوز في الانتخابات أكثر مما تستغرقهما تونس وهمومها .واللذان لا يبدعان إلا في قضايا حقوق المرأة والميراث والزواج من الأجنبي التي من (مكر الصدف) تلاقي هوى لدى دائني تونس، وتعوزهما نفس الهمة لوضع حلول تفك الارتباط مع صندوق النقد الدولي من خلال محاربة الفساد والتهرب الضريبي.وتشجيع الاقتصاد المعرفي.......الخ ، إلى هذا المستقبل الهلامي الغامض الذي يفتقد للبوصلة الاقتصادية، والذي تحفه المخاطر والأهوال من كل صوب وحدب.

ولعل الشعب التونسي تسول له نفسه أمام هذا الوضع وتوسوس له مرارا أن يعقد مقارنة(شيطانية) بين وضعه المادي بعد الثورة، وبين ماكان سيجنيه لو ظل الدكتاتور جاثما على صدره بكل عيوبه ووطأة

 

 

تعليقات الزوار

    لديك رأي ؟ لا تتردد